الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
375
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ولكي يثبتوا حصول هذا التغيير ، ويثبتوا صدقهم فيه ، عليهم أن يبادروا إلى الهجرة من مركز الكفر والنفاق إلى دار الإسلام ( أي يهاجروا من مكة إلى المدينة ) فتقول الآية : حتى يهاجروا في سبيل الله . . . أما إذا رفضوا الهجرة فليعلم المسلمون بأن هؤلاء لا يرضون لأنفسهم الخروج من حالة الكفر والنفاق ، وإن تظاهرهم بالإسلام ليس إلا من أجل تمرير مصالحهم وأهدافهم الدنيئة ومن أجل أن يسهل عليهم التآمر والتجسس على المسلمين . وفي هذه الحالة يستطيع المسلمون أن يأسروهم حيثما وجدوهم ، وأن يقتلوهم إذا استلزم الأمر ، تقول الآية الكريمة : فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم . وتكرر هذه الآية التأكيد على المسلمين أن يتجنبوا مصاحبة هؤلاء المنافقين وأمثالهم فتقول : لا تتخذوا منهم وليا ولا نصير . والقرآن في هذا الحكم يؤكد حقيقة مصيرية للمجتمع ، هي أن حياة أي مجتمع تمر بمرحلة إصلاحية لا يمكن أن تستمر بصورة سليمة مالم يتخلص من جراثيم الفساد المتمثلة بهؤلاء المنافقين أو الأعداء الذين يتظاهرون بالإخلاص ، وهم في الحقيقة عناصر مخربة هدامة تعمل في التآمر والتجسس على المجتمع ومصالحه العامة . والطريف هنا أن الإسلام - مع اهتمامه برعاية أهل الكتاب من اليهود والنصارى وغيرهم ومنعه الظلم والعدوان عنهم - نراه يشدد كثيرا في التحذير من خطر المنافقين ، ويرى ضرورة التعامل معهم بعنف وقسوة ، ورغم تظاهرهم بالإسلام يصرح القرآن بأسرهم ، بل حتى بقتلهم إن استلزم الأمر . وما هذا التشديد إلا لأن هؤلاء يستطيعون ضرب الإسلام تحت ستار الإسلام ، وهذا ما يعجز عن أدائه أي عدو آخر .